قسوة القلب
ينتقل الرسول في حديثه عن السيد المسيح مقارنًا إياه بنبيه موسى إلى الشعب نفسه، فإن كان العبرانيون يفتخرون بقائدهم العظيم، لكن الشعب الخارج من مصر لم يدخل إلى الراحة الموعود بها، لا عن ضعف في القائد وإنما بسبب العصيان في البرية. موسى كان أمينًا، لكن الشعب بعصيانه وعدم إيمانه فقد ما وعدهم به الله خلال موسى. لهذا كان يليق بهم لا أن يفتخروا بموسى، بل يتطلعوا إلى أنفسهم لئلا يحرموا هم أيضًا من الراحة الحقيقية والتمتع بالمواعيد الإلهية كآبائهم بسبب قسوة قلوبهم الناتجة عن عدم الإيمان.
"لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ. حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً..." [٧-٩].
هنا يقتبس الرسول النصف الأخير من المزمور الخامس والتسعين، فبعدما قارن بين أمانة السيد المسيح بكونه الابن الخالق لبيت الله والمهتم به، وبين أمانة موسى النبي بكونه الخادم الأمين والذي يمثل جزءًا لا يتجزأ من البيت نفسه، عاد ليكشف لهم كيف حُرم آباؤهم من التمتع بالمواعيد الإلهية، إذ هلكوا في البرية، ولم يدخلوا أرض الموعد، بالرغم من أمانة موسى قائدهم. لقد هلك ذاك الجيل ليس عن نقص في الرعاية الإلهية ولا عن عدم أمانة القائد والخادم الأمين موسى، وإنما بسبب قسوة قلب الشعب وعدم إيمانهم. لقد كان الله يرعاهم أربعين عامًا، لما سبق وتحدثنا في أكثر من موضع أن رقم ٤٠ يشير إلى حياتنا الزمنية، فإن يد الله المترفقة لا تتوقف عن رعايتنا كل أيام حياتنا، مشتهيًا الدخول بنا إلى راحته، لكن عدم الإيمان يحرمنا من هذه الرعاية، أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقوم عدم الإيمان على القسوة، وكما في الجسد الأعضاء اليابسة القاسية لا تخضع ليديّ الطبيب، هكذا لا تخضع النفوس القاسية لكلمة الله.] مادام القلب قاسيًا لا يتقبل عمل الكلمة الإلهي فيه، إنما يسلك في عدم إيمان، حارمًا نفسه من رعاية الله الفائقة!
ضرب لنا الرسول مثلاً عمليًا بالخارجين من أرض مصر الذين فقدوا تمتعهم بمواعيد الله بسبب عدم إيمانهم النابع عن قسوة القلب، فعاشوا في حالة سخط وتذمر بلا انقطاع. فقبيل عبورهم البحر الأحمر وهم بعد في دائرة مصر، قالوا لموسى: "هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا نموت في البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر!... كف عنا فنخدم المصريين" (خر ١٤: ١١). وبعد خروجهم عندما عبروا البحر الأحمر وترنموا للرب سرعان ما تذمروا على موسى إذ وجدوا المياه مرّة (خر ١٥: ١١). وفي إيليم تذمروا مرة ثالثة، قائلين: "ليتنا متنا بيد الرب في أرض مصر، إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشبع" (خر ١٦: ٣). وفي عدم إيمان إذ أرسل الله لهم المن لم يطيعوا محتفظين بالمن للصباح التالي (خر ١٦: ١٩). وفي يوم السبت خرجوا، خلافًا للوصية، ليلتقطوا مَنًا فلم يجدوا (خر ١٦: ٢٧). ولما أبطأ موسى عن النزول من الجبل أصروا أن يقيم لهم هرون عجلاً ذهبيًا يسير أمامهم عوض الله (خر ٣٢). وفي عدم إيمان اشتهوا القثاء والبطيخ والكرات والبصل والثوم، قائلين عن المن: "والآن قد يبست أنفسنا، ليس شيء غير أعيننا إلى هذا المن" (عد ١١: ٦). وحين أرسل الله الجواسيس إلى كنعان ورجعوا، تذمرت الجماعة على موسى وهرون، قائلين: "ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا متنا في هذا القفر، ولماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف، تصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة؟ أليس خيرًا لنا أن نرجع إلى مصر!" (عد ١٤: ٢، ٣). هكذا صارت حياتهم سلسلة من التذمر المستمر، وكأن طبيعتهم نفسها قد صارت هكذا، لهذا أعلن الله رفضه هذا الجيل ولم يدخل منه أرض الموعد غير يشوع وكالب. هذه التجربة الجماعية يلزم ألاَّ تفارق أعيننا، حتى لا نفقد مواعيد الله بسبب قسوة قلوبنا.
هنا يركز على القلب الذي هو المنبع، فيمكن أن يكون هيكلاً مقدسًا للرب خلاله يتقدس الجسد كله بكل طاقاته، ويمكن أن يكون مصدرًا للشرور متى كان قاسيًا يرفض عمل النعمة فيه. أما العلاج فهو "التوبة" التي في جوهرها التجاء القلب إلى الله نفسه كسرّ حياته وخلاصه وتقديسه. كلمة الله تجتذب القلب للتوبة، لذا يقول الرسول: "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم". أما تأكيد الرسول لكلمة "اليوم"، ذلك لأن حياتنا بالأمس لا تشفع فينا إن كنا نعيش اليوم في قسوة القلب، والمستقبل ليس في أيدينا مادمنا لا نسمع صوت الله اليوم. أما إن عشنا اليوم في التوبة مصغين لصوته، فإننا ننتفع بالماضي ببركاته وضعفاته، وينفتح قلبنا بالرجاء من جهة المستقبل. يصير الزمن كله مكسبًا لنا مادامت حياتنا خاضعة للرب، لهذا يكمل الرسول هكذا:
"بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَادَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ" [١٣].
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم: [فليعلم الواحد الآخر، تيقظوا لئلا يحل بكم ما حلَّ بهم، "لكي لا يقسي أحد منكم بغرور الخطية"، أنظر كيف تلد الخطية عدم الإيمان؟ فكما أن عدم الإيمان يجلب حياة شريرة هكذا إذ تدخل النفس إلى عمق الشر تصير حمقى (أم ١٨: ٣)، وإذ تصير هكذا حمقى لا تقبل حتى أن تؤمن لكي تتحرر من المخافة.]
تخدع الخطية النفس فتجلبها إلى عدم الإيمان، وعدم الإيمان يدفعها إلى الخطية، وهكذا يدور الإنسان في دوامة عدم الإيمان والسقوط في الشر.
يكمل الرسول: "لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ" [١٤]. ينتقل بنا الرسول من المقال الذي اقتبسه عن العهد القديم إلى حديث يخص العهد الجديد، فإن كان رجال العهد القديم قد سقطوا في قسوة القلب، فإن السيد المسيح قدم لنا الشركة معه كإمكانية جديدة حتى لا نسقط فيما سقط فيه الآباء. قدم لنا نفسه رأسًا، وصرنا نحن من لحمه وعظامه (أف ٣: ٦؛ رو ١٢: ٥) إن تمسكنا ببداءة الثقة، أي تمسكنا بأساس الإيمان به كخالقنا ومجدد طبيعتنا.
يعود فيؤكد الرسول دورنا الإيجابي في التمتع بالراحة الموعود بها خلال الطاعة، قائلاً:
"إِذْ قِيلَ: الْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ. فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟ وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، الَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ وَلِمَنْ أَقْسَمَ لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ" [١٥-١٩].
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك القول الرسولي: [هم أيضًا سمعوا كما نسمع نحن، لكنهم لم ينتفعوا من السماع. فلا تظن أن الانتفاع هو بالسماع، فإنهم سمعوا ولم ينتفعوا شيئًا لأنهم لم يؤمنوا.]
1 من ثم ايها الاخوة القديسون شركاء الدعوة السماوية لاحظوا رسول اعترافنا و رئيس كهنته المسيح يسوع
2 حال كونه امينا للذي اقامه كما كان موسى ايضا في كل بيته
3 فان هذا قد حسب اهلا لمجد اكثر من موسى بمقدار ما لباني البيت من كرامة اكثر من البيت
4 لان كل بيت يبنيه انسان ما و لكن باني الكل هو الله
5 و موسى كان امينا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد ان يتكلم به
6 و اما المسيح فكابن على بيته و بيته نحن ان تمسكنا بثقة الرجاء و افتخاره ثابتة الى النهاية
7 لذلك كما يقول الروح القدس اليوم ان سمعتم صوته
8 فلا تقسوا قلوبكم كما في الاسخاط يوم التجربة في القفر
9 حيث جربني اباؤكم اختبروني و ابصروا اعمالي اربعين سنة
10 لذلك مقت ذلك الجيل و قلت انهم دائما يضلون في قلوبهم و لكنهم لم يعرفوا سبلي
11 حتى اقسمت في غضبي لن يدخلوا راحتي
12 انظروا ايها الاخوة ان لا يكون في احدكم قلب شرير بعدم ايمان في الارتداد عن الله الحي
13 بل عظوا انفسكم كل يوم ما دام الوقت يدعى اليوم لكي لا يقسى احد منكم بغرور الخطية
14 لاننا قد صرنا شركاء المسيح ان تمسكنا ببداءة الثقة ثابتة الى النهاية
15 اذ قيل اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم كما في الاسخاط
16 فمن هم الذين اذ سمعوا اسخطوا اليس جميع الذين خرجوا من مصر بواسطة موسى
17 و من مقت اربعين سنة اليس الذين اخطاوا الذين جثثهم سقطت في القفر
18 و لمن اقسم لن يدخلوا راحته الا للذين لم يطيعوا
19 فنرى انهم لم يقدروا ان يدخلوا لعدم الايمان